في ورشة النحاس: إرث الأجداد
وداد باسيدي و حليمة أيت داود
في قلب حي الصفارين النابض بمدينة فاس, تقبع ورشتي التي تفوح بعبق التاريخ وكأنها متحف عتيق. طُليت جدرانها بمرور السنين بذرات النحاس, وافترشت أرضيتها بقطع تروي حكاية حرفة أصيلة.
كان سكون المكان سيد الموقف, إلى أن كسرته خطوات حفيدتي المترددة وهي تعبر عتبة الورشة. أجلستها بقربي لألقنها أبجديات فن النقش. وبقبضة خبيرة, أمسكت مطرقتي الصغيرة وشرعت أنقر بخفة على صينية دائرية تكتسي حلة ذهبية ساحرة. مع كل طرقة, كان رذاذ النحاس يتطاير في الهواء, ليتراقص مع خيوط الشمس المتسللة من النافذة, متلألئاً كنجوم مضيئة في سماء ليل صافٍ.
لم تمضِ سوى ساعة من الزمان, حتى انجلت ملامح نقش هندسي بديع, تزاوجت فيه الخطوط بالدوائر لتنطق بلوحة فنية متجذرة في الأصالة. وما إن أتممنا صنيعنا, حتى رفعت الصينية عالياً, فتجلى سحرها الأخاذ كمرآة تعكس أسرار الورشة وجمال الفن المغربي الأصيل. مضت حفيدتي في حال سبيلها, بينما اعتمل في صدري فخر لا يضاهى؛ فقد أودعت أمانة الأجداد وورّثت أسرار أعرق الحرف لجيل جديد.
على ضفاف البئر
للكاتبة: ندى الناصري
في مكان ليس ببعيد, وتحديداً في وسط القرية, توجد بئر مسحورة. تقول الأسطورة القديمة إن بداخلها ساحرة محتجزة قادرة على تحقيق الأمنيات؛ فما إن تصرخ بأمنيتك بصوت عالٍ في جوف البئر, حتى تتحقق لك على الفور.
بين بيوت تلك القرية, عاشت فتاة صغيرة تُدعى "زمردة", ذات شعر أسود فاحم, ووجه دائري مشرق, وقوام معتدل. كانت تُعرف بين الأهالي بذكائها وشجاعتها, على عكس أختها الصغيرة "شهرزاد" التي كانت شديدة الخوف والتردد.
حين تناهت قصة البئر إلى مسامع زمردة, اشتعل فيها الفضول لاستكشاف سرها. طلبت من أسرتها اصطحابها إلى هناك, لكن الجميع رفضوا بشدة خوفاً من الخرافات المتداولة. لم تستسلم زمردة, بل أقنعت أختها المترددة شهرزاد بعد إلحاح طويل بالتسلل معاً تحت جنح الظلام.
مشتا وسط القرية في ذلك الليل المخيف بحثاً عن المكان, ولم تمضِ سوى دقائق حتى وصلتا إلى الموقع المنشود. ويا لها من بئر! كانت عميقة, مبنية بحجارة تبدو قديمةً قِدم القرية نفسها. فجأة, تردد صدى صوت الساحرة من الأعماق يقول: "اطلبا أمنيتكما وانصرفا!".
سارعت الأخت الصغرى شهرزاد بصوت مرتجف قائلة: "حاضر! أمنيتي أن أعود إلى سريري في المنزل", وفي لمح البصر, تحققت أمنيتها واختفت. أما زمردة الشجاعة, فوقفت تتأمل البئر, وتساءلت في قرارة نفسها: "لماذا هذه الساحرة محتجزة هنا ولا تستطيع الخروج؟ لا بد أنها ضحية لعنة ما, ويجب عليّ أن أحررها!". وقفت زمردة تفكر وتفكر، ثم اتخذت قراراً...